Friday, August 21, 2026

عن رؤيتنا ليوسف (عليه السلام)

 




الرواية: رأيتُ يوسف
عدد الصفحات: 216 صفحة
دار النشر: دار العين للنشر والتوزيع
سنة النشر: 2025

الحق أنَّ أول ما جذبني في الرواية كان غلافُها على تطبيق أبجد، هذه الألوان الزاهية للأخضر والوردي الغامق والأزرق، وهؤلاء النسوة المجتمعات، ثمَّ العنوان الذي بدا أيضًا غريبًا.

مع أولى الصفحات، وقد علمتُ أنها تحكي عن قصة امرأة عايشت حكاية سيدنا يوسف (عليه السلام) من على بُعد مسافة مُعتبرة تمكنها من سردها على نحوٍ شاعري رقيق، وجدتني أغوص بين السطور بلا إرادة!

في الرواية نجدُ حبك لحكايات عن الإيمان بالله وعن الأرباب المتفرقين الذين عانَى منهم المصريون الذين يريدون الوصول إلى الله أمثال البطلة وأبيها وأمِّها. لم تستطع البطلة يومَ شاركَتْ في مُتكأ الغواية مع زُليخة زوجة العزيز السابق وربة يوُسف النوراني أن تنسَى أنها قطَّعَتْ يَدها مع من قطعنها، وصمتَتْ أمام دعوات نساء البلاد لانتهاك عصمة يوسف. عاشَتْ البطلة أولًا تحت ظل نبوءة أفضَتْ إليها بها جدتها يومَ وُفقت في خَبز الخُبز الشمسي وهي بعد طفلة ومنذ المرة الأولى، ترجو لو تتحقق، نبوءة عن الخير الذي سيعمر بيتها. نبوءة لم تتحقق لحظة واحدة بينَ مصائب الدهر، وتمزق الفؤاد بينَ النكبات، حتَى سكنها النور النهائي.

لا أستطيع اختيار فقرة بعينها في الرواية لأصنفها الفُضلَى والأكثر قدرة على إلهاب مشاعري. فكل الفقرات تنافسَـت بجدارة حتى أعطيتها المركز الأول بالتساوي. ربما شغفتني خواطر البطلة عن الآلهة وهي تأخذ لهم ابنها العليل ليلًا ونهارًا وهي مُقطعة بين التصديق والتكذيب، بينَ الحاجة وعدم الحيلة. ربما هزَّتنِي الكلمات التي وصفت مُتكأ الغواية، ونور يوسف الذي لا يُحجب. ربما حركَتني تشتتات البطلة على مر الرواية بينَ الرغبة في الخلاص من ذنبها الذي اقترفته بصمتها فقط، وبينَ نفسها التي توسوس لها أن ليس الآن، ليس بعد. ربما لمستني كلماتها الشارحة للحظة وقوع الظلم البين على صديق السجن والذي جعلته المؤلفة أخا زوجها وزوجته فيّاضة بالحياة والشغف، لتستعرض لنا طبيعة الكارثة الحالة، وبشاعتها، وكيف قلبت بيتًا رأسًا على عقب، وكيف التوَى قصر العزيز والملك آنذاك بالظلام الدامس قبل أن ينيره بهاء النبي من جديد. ألهبتني لحظة لقاء الأحبَّة المتفرقين: البطلة ومن غاب طويلًا حتى وجدته عندَ عتبة يعقوب العجوز (عليه السلام) ليعيد لها رغبة الحياة من جديد. رواية كالطود، تبدأ بالارتفاع ثم الانحدار ثمَّ الارتفاع الأزلي النهائي، فأنهيتها مُرتاحة البال والضمير.

ابتعت الرواية ورقيًا بعدمَا وجدتها تعيد سرد سورة يُوسف على نحوٍ مميز يجعلها تثبت في الدماغ. لا أستطيع أن أنسى بعدَ هذه الرواية تفاصيل حياة يوسف الصديق، وما تعرض له على يدَي زُليخة، ثم السجن وصديقيَّه، ثم مساعيه لنشر الدعوة التوحيدية، ثم بلوغه سُدَّة الحُكم الفعلية عندمَا صار عزيزَ مصر، ثمَّ كيف أتاه الله الحكمة السياسية البالغة التي مكنته من العبور بمصر من فترة عَجِفَة كان خسائرها ليكونوا بالآلاف، ثمَّ كيف حضر إخوته الكنعانيون من البدو ليأخذ منهم ثأرًا لطيفًا، وكيف أتى يعقوب ليصير قبلة للمُحتاجين. لقد أعادَتْ الرواية غزل القصة القرآنية على نحوٍ غُرس في وجداني وخيالي بحيث لا أعتقدُ أني سأتمكن من إخراجها البتة.

سأتوقف إذ لن يكون لديَّ قدرة مماثلة لقدرة المؤلفة على الحكي الماتع والسرد المُحكم، لكني سأكتفي قبل انتهائي بالوعد لمن سيبدأ قراءة هذه التحفة الأدبية، أنه على موعد مع عمل فلسفي يفكك رحلة نفس مصرية قديمة وآلامها بينَ عهدي الظلام والنور في توليفة أقل ما يقال عنها أنها مميزة.   

Monday, August 3, 2026

عن يأجوج ومأجوج واللقاء مع ذي القرنين-كتاب

 





لا يمكن الاغفال عن الجهد الكبير المبذول في هذا البحث لا سيما في الجزء المتعلق بهوية ذي القرنين والتوصل العسير لمقتطفات من كتاب بيثياس المارسيلي المفقود للتعرف على رحلته لإيجاد للقصدير في الشمال، للمقارنة بين خطواته واكتشافاته وبين ما ذكر عن ذي القرنين من شواهد... ربما ما زلت غير مقتنعة بأن يأجوج ومأجوج هي البراكين والفيضانات العملاقة إذ مثلا لماذا حلل المؤلف الاسم عربيا وتوصل إلى أصول "أج" و"مج" ليحيلهما إلى السخونة والمياه، في حين انه يقول أن السكان الذين لم يكونوا يفقهون قولا كانوا من أهل الاسكيمو ولهم لغتهم وذكرت الكلمتان على لسانهم أي انها أعجمية ولا تمت بصلة للتحليل اللغوي العربي... أيضا، ما الفارق بين براكين وفيضانات منطقة القطب الشمالي وأي براكين وفيضانات أخرى شهدتها الأرض منذ قديم الأزل ومنذ فجر تاريخ الانسان ليكون لهم بالخصوص ردم لن يزال الا يوم القيامة؟ بالفعل هناك الكثير من المناطق التي تشهد هذه الظواهر... كما أن الفساد المذكور في القرآن وصفا ليأجوج ومأجوج هو بالفعل ليس تشبيها مثل "الريح أفسدت الزرع" وإنما فعليا مثلما "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس" أي ان الفساد يكون بيد البشر عموما وليس أي ظاهرة مجندة وطائعة لله عز وجل... ثم هل توقفت البراكين والفيضانات تماما في هذه المنطقة فيما بعد؟ لا أعتقد، وإنما مستمرة...

لا أعني بكلامي أن المؤلف أخطأ باكتشافاته ولكنه مشكور على الاجتهاد لا سيما وأن مسألة يأجوج ومأجوج إشكالية كالمهدي المنتظر مثلا وكل علامات يوم القيامة غير الكبرى، وهي مسألة غير إيمانية لن تتلف إيمان الشخص وإسلامه... كما أقدر جديا رغبة المؤلف في تفنيد الإسرائيليات التي دخلت في الأحاديث والحكايات لتحكم سيطرتها على العالم الحاضر بكل جهله وتحمسه لكل ما هو سوداوي... وفي انتظار حكاية المؤلف التفصيلية وترجمته للكتاب عن بيثياس لاني تحمست لذلك، فهذا الجزء بالنسبة لي كان الأكثر جذبا للانتباه... كتاب ممتع بأسلوب رخيم شيق، مرتب كالحكاية وهو ما أعطاه ثقله، وإن يظل تحت بند الاجتهاد ويحتاج للمزيد من المراجعة والعمل الجماعي لإزالة أي شوائب تطوله ليؤخذ قيد الاعتبار....


السرعة القصوى...صفر (سواء في الأحداث أو في قراءتي لها)

 






رواية شديدة الطول لم أستطع إنهائها في فترة قصيرة وهذا لأن احداثها وفكرتها ثقيلة على القلب ومكتوبة على نحو يدخل الملل في قلب القارئ... شكري سراج الدين شخصية شديدة الطموح منذ الصغر، يستقوى من ضعف واستسلام توأمه فهمي وحبيبته أمينة سعادة. لم أتعاطف مع فهمي ولا أمينة على الإطلاق، فقد كانتا شخصيتين سلبيتين وظلين لشكري، لم يحاولا يوما مواجهته أو الخروج عن طوعه حتى أفقدهما بوصلتيهما... ومع طموح شكري واستسلام الاثنين، شاهدنا بداية الاخوان المسلمين وتطور أفكارهم منذ حسن البنا ثم الهضيمي والبقية، ثم خلع الملك في ١٩٥٢ وحريق القاهرة قبله والتوائمات بين الاخوان وجمال عبد الناصر، والاستبداد الجسيم الذي مارسه عبد الناصر حتى لدرجة قتل صديقه عبد الحكيم عامر والزعم انه انتحر... رواية تقريرية جدا حتى مع التطرق لمشاعر انسحاق امينة وفهمي، وربما قراءة كتاب عن تاريخ مصر السياسي كانت ستضيف أكثر... شخصية فايز الحبشي وتورطه مع جماعة الاخوان ثم مع نظام جمال عبد الناصر، هو محاولة لإيضاح دور الإذاعة في وقت الاخوان ثم ناصر...

خسر فهمي منذ البداية عندما كان يهرب من مواجهة كل شي وتزوج لينسى أمينة فقط فجلب النحس مع سارة، وأمينة التي لا ترفض أبدا، فقدت هويتها وربما في النهاية ستجد شيئا منها عندما تستكمل رسم لوحاتها وبقاءها وحيدة ترعى المتبقى من أبنائها... فهمي من سجن الى سجن، من الم لألم، ولكننا نعرف ان الفرج قريب لان السادات حرر الكثير ممن كانوا يطبق عليهم نظام الحراسات. شكري سعيد بغموضه وبحياته كالحرباء في الغربة، لا يحب أحد سوى نفسه، ويقتنع بأن الجنة له وحده، ولولا انه يشعر بأن الإخوان وسيلته للسلطة، ولولا ان جمال عبد الناصر يفهمه ولن يضمه، لما توانى عن رفس الاخوان والذهاب مع الضباط الاحرار، والحق اني أراه منذ الآن سيستمر في طموحاته ويسير بين جثث ضحاياه بتفاخر حتى يموت وحيدا... منذ حادثة العرافة وكان ينبغي لأمينة وفهمي أن يتحركا، لكنهما لم يفعلا... رواية مليئة بالأحداث التاريخية مع الحبكة، ولكني مللت وضعفت مرارا امام إغراء تركها، ولكن كنت أعود حتى لا أترك كتابا مفتوحا.. للأسف في مجملها شعرت بالانفصال الروحي وانا أقراها وان كنت أشكر المؤلف على جهده المبذول بالطبع في كتابة هذه الرواية الضخمة بكل هذه الاحداث المملة دون تعب...


شيفرة بلال، شيفرة لفك كل العقد

 






في الواقع اني ولمرات نادرة أشهر بعجز عن التعليق. رواية مبهرة، هذا أقل ما يمكن أن يقال عنها. العبودية، ومتى نكون عبيدًا ومتى نكون أحرارا رغم استعبادنا. الاستعباد الحقيقي لا يكون بأن تكون عبدا مملوكا لسيد إنساني، وإنما أن تسيطر عليك مخاوفك وطموحاتك وأهوائك ونفسك الأمارة بالسوء. نظرة جديدة للآذان الذي كنت أسمعه مرارا وأرتعش له مرارا دون وعي وتأمل فعلي. الله أكبر من الدنيا ومن آمالها وانكساراتها وغاياتها وطموحاتها وشهواتها وغرورها. لا إله هو شعار مخيف أن تكون بدون ملجأ، ولا يقدم جوابا أبدا وإنما طوق هش في مواجهة غموض الحياة، ولكن لا إله إلا الله تختلف تماما، هناك الله، خلق هذا الكون حتى لو لم نره يوما، مثلما يوجد أب لكل طفل في هذا العالم حتى لو انه تلاشى بعد فعلته. بلال ابن رباح، ولأول مرة أعيش في قصته التي لم أكن اعرف عنها الا لماما، أحد أحد والتوحد مع قضية يرضى عنها الله عز وجل وإزاحة الصخرة المادية والمعنوية ونزع أمية والجاهلية منه، أحد أحد تخلصنا من عبودية أرباب متفرقين لنكون عبادا لإله عدل وحق ورحمة ورأفة وقوة ومغفرة. وصف جبار لبلال الحبشي ومشاعره في المواقف الجللة لا سيما اعتلائه للكعبة يوم فتح مكة.

قصة إنسانية من طراز رفيع تؤكد على استحالة أن يخرج من صخب رجال ارتجالي نص هاملت ومن ضجيج العالم سيمفونية بيتهوفن، وبالتالي استحالة ان يكون الكون المحكم جاء من قبيل الصدفة، أو أن أمجد حلواني التقى ببلال سعيد صدفة. مع الرواية ومدونة بلال (شيفرة بلال) نتعرف على الله من جديد، على الأب وعلى الأم وعلى أمجد وعلى أمية وبلال الحبشي، كل رسالة تبدو أطروحة تستحق التدبر بل والحفظ من اجل التلاوة. لاتيشا، وكونتا كنتي وجذور وتحررها من مخاوف عدم الاستحقاق، ما الفارق بين كونتا كنتي وبلال الحبشي؟ الحق انه لا شئ، كلاهما تحرر من داخله، وهذا هو المهم. انبعاث الايمان من قلب أمجد على يدي طفل مريض بالسرطان في مراحله المتأخرة، جاء مؤثرا، سلسا، فقد كان لا أدري بحاجة لليقين وليس ملحدا يقينيا راض بهذا الالحاد، ولذلك فبعثه كان أسهل متى وجد إجابات والحق ان هذه الاجابات جاءته على لسان طفل لم يخرج من طور الفطرة بعد. تحرر أمجد من عقدة نقص نمتها كريستين بخدعها النفسية وتلاعبت بها على اعصابه وثقته في نفسه. لقد رآه بلال احمقا مترددا لأنه كان يتحرر من سيوره وهي عملية لو يعلمون عظيمة وشاقة.

سعيد وطلبه المغفرة على آثام لا تغتفر، كان يستأهل هذه النهاية الشنيعة، أن يصله ابنه المحتضر ويطعنه بالخبر ولا يتعاطف مع نوبة نشيجه مهما كانت صادقة ثم الرحيل دون أن يكون بيده ملاحقته بسبب سجنه. نقاشات متتالية عن فصول رواية جذور التي مهما كانت مسروقة، فهي تحفة فنية تعبر عن حقبة لا ينبغي لأحد أن ينساها، حقبة يخدعنا البيض بأنهم تغيروا عنها ولكن الحقيقة الواقعة انهم ما زالو يرزحون فيها ونحن من نعاني من ويلاتها حتى لو تغيرت المسميات. ويد وجون وكريستين، جميعهم أسياد واصنام كان ينبغي تحطيمها من أجل النجاة والحرية وقد فعلوا، لقد تحرروا مع حكاية عبد أسود من أب غير معروف، جاءه الإيمان بالله ليكون بساطه نحو واحة حرية عذبة تفيض بالخير، حكاية لا تنتهي، ولا ينبغي أن تنتهي لمن أراد عيشا هانئا، فأن تكون عبدا لآلاف الأرباب يشتت ويقتل ويخيف، على عكس الاسلام لاله واحد وحسب، يأمر أمرا واحدا فيطاع طاعة كاملة خالصة.

كل جزء من الرواية قطعة فنية بحق، أعتقد أني سأحتفظ بها لأجعل كل من يهمني أمره يقرأها... جزاك الله كل خير دكتور أحمد، على جرعة إيمانية كنت بحاجة إليها هذه الأيام، جرعة لا تخلو من الواقعية حيث الأضواء التي لا ينبغي أن تعمى الأبصار، أضواء يمكن ان تكون سيدا لو تركنا لها الفرصة، فلنحتمي ونستعين بأحد أحد ولا اله الا الله والصلاة والفلاح، والله هو الهادي المعافي، وكفى به وكيلا...


عن جمال اليوم الذي ضحك فيه النبي (ص)

 





لا يمكنني الأخذ على الكتاب سوى أن أسلوبه كان غير منتظم، أي في السرد العادي بعيدا عن سيرة النبي (ص)، كان سلسا بألفاظ عصرية بسيطة، بينما المقاطع من السيرة كان ينقلها نقلا حرفيا بحيث احيانا وجدت صعوبات تقابلني في الفهم. غير ذلك، فالكتاب آية في الجمال، شعرت بثغري يتبسم طيلة القراءة، والدمع أغرق عيني عندما ذكر موت النبي (ص) وكأن روحي تُسحب مني، لا سيما أني لا أدري إن كنت سأكون من اهل أي مصير... النبي (ص) رحمة الله للأرض أجمعين، لم يغلظ على صهيب الضحوك ولا على من تيمم بشكل خاطئ ولا من تيمم وقت البرد وصلى بالآخرين، ولا من قاطع زوجته ولم يجد ما يكفر به واعطاه عرق البلح لأهله الذين هم أفقر ما رآه، بسًام عند لقاء آل السيدة خديجة لتذكيرهم بها، ولما اظهر الله براءة السيدة عائشة من حادثة الإفك، ويتبسم للأسماء الجميلة ولتوبة العاصي ولدخول الإسلام مثلما فعل مع عكرمة ابن أبي جهل، كام يبتسم لقول الصحابي أن سائل الله الزراعة في الجنة مؤكد من قريش او الأنصار لحبهم الزراعة، يتبسم في الخطبة وعند الخطأ غير المتعمد ثم يوضح ويبين. هذا هو بني الله والذي ينبغي أن يبعث برسالة ربه عن أنه رحيم كريم غفور. أؤمن أن الله كذلك يحب عباده ويتبسط لهم مهما اخطأوا طالما أنهم يتوبون ويحبونه.

مما ذكره الكتاب، وأؤيده بشدة أن الخطباء في المساجد لا بد وان يقتدوا بالنبي والصحابة حيث البسمة والهدوء في الحديث ليتسلل كلامهم لقلوب المستمعين. غلبني الشوق لما حكى عن الشيخ احمد وحكاياته عن النار والجنة، بصوت حنون واستعداد قبل الصلاة. ربما في الماضي كان الصياح ضروري لغياب مكبرات الصوت، لكن لا مبرر لذلك الآن أبدا.. لا أقول ان في الأمر مؤامرة لتبغيض المسلمين في كلام الله، ولكنه ربما غفلة وجهل غير مقصود ارجو لو تجد الدولة حلًا له. أشكر الكاتب على هذه الرحلة شديدة القصر لعالم النبي (ص) صاحب البسمة رغم أنه كان أثقل الناس همًا، صلوات الله وسلامه عليه، نبي الرحمة والكرم، أوتى محاسن الأخلاق، حبيب الله وأحسن خلقه...


ماذا تفعل لو كنت مكاني-كتاب ومذكرات

 






ليس بوسع المرء وضع تقييم لكتاب هو أقرب إلى عصارة تجربة رجل قضى حوالي ٣٨ سنة او أكثر في مجال عمل شديد الوعورة كمكافحة المخدرات. كتتب مريح لمن يحب أن يبحث عن مصدر يطمئنه أنه ما زال هناك رجال شرطة يشغلون عقولهم لا أيديهم -كما يصورون في الكثير من الأعمال الدرامية-. كل قصة كانت ذات مغزى وهدف، ما بين انكشاف الستر بعد الموت (حكاية الشاب المقتول -قتلة مشينة عارية في زريبة- على يدي الفتاة التي غرر بها دفعا لثمن جرائمه في خداع نسوة قرية بأكملها) وبين التزوير الذي لو وقع بين يدي مهووس سلطة لأفسد الكثير (الرجل الذي ادعى سلطة مكنته من بيع المخدرات للعديدين والرجل الستيني الذي يبتاع الكوكايين لإغواء طالبات الجامعات) وحكاية الأب الذي أراد الزج بابنه للسجن لمجرد أن يستكمل طريق جرائمه الموحش ومنعه هذا الابن، وحكاية الثأر واشتداد بلاويه في الصعيد مع فكرة "روح القانون" وأحيانا يكون تطبيق القانون في ظل تجاهل السياق العام، تمهيدا لحرب شعواء (مسألة البندقية بين الضابط الذي رأى رجلا يقتل رضيعه لكيلا يفرط فيها والآخر الذي علم أن أخذ البندقية من الرجل الوحيد سيعرضه لسطوة جيش من المدججين بالسلاح)، والمظهر الخادع الذي لا ينبغي أن يقيم به ضابط الشرطة الحذق الموقف (قضية القطة التي استكملت تكييس المخدرات وبينها وبين الضابط باب حديد، تتحداه بكل جراءة وسفالة) هذا السيدة العجوز البتراء التي تدعي الحنان لتصنع إمبراطورية تخدمها وتخدم بناتها الثلاث (رغم اني أتساءل كيف تدخل رجالها للسجن بدعوى انها سترعى ابناءهم ولا تفعل، ألن يبلغهم الرجال الذين يدخلون السجن بعدهم بما تفعل)! ثم الخوف الذي يوصل أبًا إلى عدم السعي لنيل حق بناتيه ممن اغتصبهما لمجرد ان من حوله ارادوا اتباع تقاليد بالية توصم المغتصبة لا المغتصب (كشطتة)! أحببت بحث الضابط الدؤوب عن ثغرة قانونية للانتهاء من أسطورة إجرامية، كعبد الملك زرزوور (الليثي) الذي سيطر على قرية كاملة ببلطجيته وسمسرته مع اللصوص والمجرمين، لدرجة ان نال شرعية وكأنه ذراع شُرطي يفعل ما يشاء بدعوى الأمن (دولة داخل الدولة) وقانون الاشتباه (اعتقد فعلا أنه ينافي حرية التنقل ولو انه ضروري مع أصحاب السوابق). الطفولة التي يعيشها المرء بين الفساد والقهر تستطيع أن تخلق امرأة بلا قلب (ظاهريا) كالكافرة (عبير) والتي استخدمت القلب الميت لتتعامل مع بيئتها التي لا تحتمل غير ذلك لتنجو، ولكن بعدما رأت الضابط بنزاهته والسجن وفيه المسكينات، ارتخى الوجه القاسي وعادت تنبض بقلب رحيم... (فعلا القسوة قد تكون دفاعا لا أكثر)...

الكثير والكثير من الحكايات بأسلوب شيق تلاها علينا اللواء وليد السيسي، وفعلا شعرت في الكثير من الأحيان برجة تهزني من الأفعال الشريفة التي قام بها هو ومن معه من ضباط شرفاء... ولكن للأسف ما زلنا بحاجة حقيقية للمزيد من الجهود الآن، فانا أسير في المهندسين، أرى المشردين في الشوارع يخيفون الناس المشاة وفي سياراتهم، سائقي الأجرة وإرهابهم المتواصل للنساء بعدم تشغيل العداد والمغالاة في الأجرة، السيارات والموتوسكلات والأوتوبيسات والميكروباسات التي تسير في طرق عكسية (اليوم كانت ستدهمني سيارة جاءت في طريق عكسي تماما)، والكلاب الضالة التي تهجم على الأطفال والنساء (يمكن صنع ملاجئ لهم يشترك كل حي في تأمينها والإنفاق عليها) والقمامة وشحاذة عمال النظافة في الشوارع بدلا من العمل، القمامة التي يمكن دس أي متفجرات فبها وغيرها الكثير من الظواهر التي أكاد أجزم ان عشرات الضباط يرونها ولكن لا يفعلون نحوها شئ... مصر ما زالت تعاني، وانا أتحدث عما أراه في الشوارع الرئيسية واؤمن -خاصة بعد سماع الكتاب- أن العشوائيات في القاهرة والجيزة والاسكندرية والمحافظات الأخرى جميعها في حال لا يوصف.... شئ مؤسف...


انحناءة احترام للدراما كوين-رواية

 


 


كالعادة تستطيع نهلة كرم أن تأخذنا إلى رحلة بعيدة داخل قلوب نساء وعذارى، كالغواص.

هذه المرة تدور عجلة الغزل حول استديو في ضواحي القاهرة، تديره امرأتان، الأولى حلا (حنان) والأخرى فريدة. استديو يدرب الفتيات على لعبة "العمود/الپول". يحمل كل فصل اسم حركة معينة، فهناك "القرد المغرور" و"دراما كوين" و"هالو بويز" و"الفراشة" و"بالرينا". مع كل من هذه الحركات، نتعرف على حكاية إحدى رواد الاستديو وعقدتها التي تكون بشكل ما مرتبطة باسم الحركة الذي يحمله فصلها. هناك غادة والتي تظن نفسها، بفقرها المدقع أنها القرد المغرور (أقرع ونزهي) بارتيادها هذا الاستديو لتداوي كليتها المنقولة، إذ تلقى فروقات طبقية هائلة. وهناك ليلى التي ظنت علاجها في حركة كيوبيد والپول كيسس بينما كان الحل كامنا في حركة دراما كوين بكل ما تطويه من ألم احتضان النفس. وهناك شيماء، والتي طاقت دوما إلى سلسلة الفراشة ولكن ظروف حجمها لم تكن يوما تتيح ذلك، حتى كانت الجنة موجودة في حركة "الفراشة". وريم، والتي لطالما أخافتها عبارة فتح القدمين، حتى وجدت أنها أيضا علاجها الأمثل، وحركة هالو بويز، وحبها لنفسها في كل حالاتها لأنها ببساطة لم تكن يوما جانية وإنما ضحية تحولت لناجية. وفريدة، ومتلازمة عدم الشعور بالألم، والتي تحسدها عليها كافة البنات في الاستديو وفي حياتها، رغم ما تعنيه المتلازمة من موت محقق مؤجل، والتي تقوم بأصعب الحركات ويتألم لها جسدها بمفرده بدون أن يزعجها بذبذبات أعصاب، فكانت حركة بالرينا من حركاتها المفضلة. حلا، والتي لا أتذكر حركتها، ولكن أتذكر أنها فتاة لم تحلم سوى بأن يحنو عليها الأب بعد وفاة امها، أن تجد أحدا يحبها لنفسها بدون منافسة مع أحد.

ما أعجبني في الرواية ان جاء الرجال كعنصر سلبي لا يُرجى منه علاج ولا صلاح. العقد في نفوس النساء لا يمكن مداواتها برجال. فقد خُلق الزواج بمودته ورحمته ليساعد الرجل والمرأة بعضهما البعض على الحياة وليس لكي يعيش أي منهما طبيب للآخر. لا عزيزاتي الفتيات الحالمات، لم يكن الجواب الصحيح يوما هو الحب والزواج، وإنما ردم الهوة السحيقة في أنفسكن بمعاولكن ومجرافكن الخاصة.

رواية لذيذة وتعرفت منها على لعبة الپول التي لم أكن أعرف عنها الكثير من قبل، وقلت الجرأة بنسبة ما وقد أحببت ذلك (رغم ان قصة ريم كانت تستدعيها بكل ألمها) ♥️

العمل الخامس الذي أقرؤه لنهلة بعد "على فراش فرويد" و"خدعة الفلامنجو" و"المقاعد الخلفية" و"الموت يريد أن أقبل اعتذاره".


عن رؤيتنا ليوسف (عليه السلام)

  الرواية: رأيتُ يوسف عدد الصفحات: 216 صفحة دار النشر: دار العين للنشر والتوزيع سنة النشر: 2025 الحق أنَّ أول ما جذبني في الرواية كان غلافُه...