أقرأ حاليا رواية "يوتوبيا" لتوماس مور، والتي هي نقيض
رواية "يوتوبيا" لأحمد خالد توفيق. فالأولى كُتبت في القرن السادس عشر
بالتزامن مع الاكتشافات الأوروبية الجغرافية وفيض الأمل بأن العالم الجديد يحمل
أراض لها نظم سياسية واجتماعية واقتصادية مثالية حقيق أن نتعلم منها. هكذا كان مور
محملا بالتوقعات الكثيرة أن الأرض منت عليهم بأماكن يحققون فيها أحلام الفلاسفة عن
الحكم السياسي الأمثل. هذا بينما أحمد خالد توفيق اقتبس العنوان ليعبر عن أرض فعلا
بعيدة نسبيا ولها ذات اسم دولة مور المثالية، لكنها آية في الفساد السياسي والأخلاقي وحقيقة -تستأهل- لعنة
الفلاسفة على مر العصور.
لم أنه الكتاب الثاني -من رواية مور المكونة من
كتابيت كفصلين كبيرين- بعد -الذي يحتوي على السمات الكاملة واللامعقولة لجمال
جزيرة يوبوبيا التي يتخيل مور أن بحارا برتغاليا قد بلغها وأقام فيها خمس سنوات
ولم يرتحل عنها سوى لينبئ أهالي العالم القديم بها وبروعتها. لم أنه هذا الكتاب
ولا يثير الكثير من حماستي ولن أكمله إلا لكي أنهي هذه التحفة الأدبية التي كانت
علامة فارقة في عالم العلوم السياسية.
لكن ما لفتني هو الجزء الأول من الكتاب، هذا الحوار
الدائر بين روفائيل هيثلوداي (البحارة البرتغالي) وطوماس مور، والذي يشبه محاورات
أفلاطون جدا. في هذا الجزء، يحث مور هيثلوداي على أن يقترب من البلاطات الملكية
وينضم إلى حاشية أحد الملوك الأوروبيين ويقدم إليهم المشورة بناء على خبراته التي
لا تحصى والتي تراكمت مع كل أرض زارها. إلا أن هيثلوداي يعرض عن ذلك ويسوق دلائل
لا حصر لها على أن ثقافته السياسية التي بناها أصبحت لا تتسق مع المتطلبات
المعاصرة للحكم السياسي (مثل الحاجة لاحتلال ممالك جديدة أو الحاجة لملء خزائن
الملك من مال الشعوب). نرى مع هيثلوداي وتأملاته أن العلاقة بين الفلسفة السياسية
(ما ينبغي أن يكون) تتعارض ومصالح السياسة (ما هو كائن). ينصحه مور بألا يلقي
بأحلامه بشكل مباشر وأن يسرب أفكاره للبلاط رويدا وبشكل خفي (تماما مثلما يدعو
ليوشتراوس في القرن العشرين للكتابة بين السطور) ويبقى هيثلوداي يراه سلوكًا سيؤدي
نهاية إلى عدم جدوى مشاركته وإلى تلوث نواياه الصالحة فيما بعد. وتقف المحاورة عند
هذا بعدما ارتأى مور ألا يضيع المزيد من الوقت مع رجل ثبت على موقف سلبي ناحية
السلطة وأربابها وتوجه به إلى السؤال عن جزيرة يوتوبيا ومثاليتها.
هذا الجزء هو ما أثار انتباهي، وجعلني أهتم
بالرواية، لا سيما وأن الأمثلة التي قدمها هيثلوداي للاختلاف الجذري بين آرائه
-إذا ما عزم المشاركة في نقاشات البلاط- واقتراحات الساسة (حول الفقر والسرقة
والغزو والجباية). هناك بالفعل فجوة، وأساليب ردمها ما زالت محل نقاش حتى الآن.

No comments:
Post a Comment