الحق أنَّ أول ما جذبني في الرواية كان غلافُها على تطبيق
أبجد، هذه الألوان الزاهية للأخضر والوردي الغامق والأزرق، وهؤلاء النسوة المجتمعات،
ثمَّ العنوان الذي بدا أيضًا غريبًا.
مع أولى الصفحات، وقد علمتُ
أنها تحكي عن قصة امرأة عايشت حكاية سيدنا يوسف (عليه السلام) من على بُعد مسافة
مُعتبرة تمكنها من سردها على نحوٍ شاعري رقيق، وجدتني أغوص بين السطور بلا إرادة!
في الرواية نجدُ حبك
لحكايات عن الإيمان بالله وعن الأرباب المتفرقين الذين عانَى منهم المصريون الذين
يريدون الوصول إلى الله أمثال البطلة وأبيها وأمِّها. لم تستطع البطلة يومَ
شاركَتْ في مُتكأ الغواية مع زُليخة زوجة العزيز السابق وربة يوُسف النوراني أن
تنسَى أنها قطَّعَتْ يَدها مع من قطعنها، وصمتَتْ أمام دعوات نساء البلاد لانتهاك
عصمة يوسف. عاشَتْ البطلة أولًا تحت ظل نبوءة أفضَتْ إليها بها جدتها يومَ وُفقت
في خَبز الخُبز الشمسي وهي بعد طفلة ومنذ المرة الأولى، ترجو لو تتحقق، نبوءة عن
الخير الذي سيعمر بيتها. نبوءة لم تتحقق لحظة واحدة بينَ مصائب الدهر، وتمزق الفؤاد
بينَ النكبات، حتَى سكنها النور النهائي.
لا أستطيع اختيار فقرة
بعينها في الرواية لأصنفها الفُضلَى والأكثر قدرة على إلهاب مشاعري. فكل الفقرات
تنافسَـت بجدارة حتى أعطيتها المركز الأول بالتساوي. ربما شغفتني خواطر البطلة عن
الآلهة وهي تأخذ لهم ابنها العليل ليلًا ونهارًا وهي مُقطعة بين التصديق والتكذيب،
بينَ الحاجة وعدم الحيلة. ربما هزَّتنِي الكلمات التي وصفت مُتكأ الغواية، ونور
يوسف الذي لا يُحجب. ربما حركَتني تشتتات البطلة على مر الرواية بينَ الرغبة في
الخلاص من ذنبها الذي اقترفته بصمتها فقط، وبينَ نفسها التي توسوس لها أن ليس
الآن، ليس بعد. ربما لمستني كلماتها الشارحة للحظة وقوع الظلم البين على صديق
السجن والذي جعلته المؤلفة أخا زوجها وزوجته فيّاضة بالحياة والشغف، لتستعرض لنا
طبيعة الكارثة الحالة، وبشاعتها، وكيف قلبت بيتًا رأسًا على عقب، وكيف التوَى قصر
العزيز والملك آنذاك بالظلام الدامس قبل أن ينيره بهاء النبي من جديد. ألهبتني
لحظة لقاء الأحبَّة المتفرقين: البطلة ومن غاب طويلًا حتى وجدته عندَ عتبة يعقوب
العجوز (عليه السلام) ليعيد لها رغبة الحياة من جديد. رواية كالطود، تبدأ
بالارتفاع ثم الانحدار ثمَّ الارتفاع الأزلي النهائي، فأنهيتها مُرتاحة البال
والضمير.
ابتعت الرواية ورقيًا
بعدمَا وجدتها تعيد سرد سورة يُوسف على نحوٍ مميز يجعلها تثبت في الدماغ. لا
أستطيع أن أنسى بعدَ هذه الرواية تفاصيل حياة يوسف الصديق، وما تعرض له على يدَي
زُليخة، ثم السجن وصديقيَّه، ثم مساعيه لنشر الدعوة التوحيدية، ثم بلوغه سُدَّة
الحُكم الفعلية عندمَا صار عزيزَ مصر، ثمَّ كيف أتاه الله الحكمة السياسية البالغة
التي مكنته من العبور بمصر من فترة عَجِفَة كان خسائرها ليكونوا بالآلاف، ثمَّ كيف
حضر إخوته الكنعانيون من البدو ليأخذ منهم ثأرًا لطيفًا، وكيف أتى يعقوب ليصير
قبلة للمُحتاجين. لقد أعادَتْ الرواية غزل القصة القرآنية على نحوٍ غُرس في وجداني
وخيالي بحيث لا أعتقدُ أني سأتمكن من إخراجها البتة.
سأتوقف إذ لن يكون لديَّ
قدرة مماثلة لقدرة المؤلفة على الحكي الماتع والسرد المُحكم، لكني سأكتفي قبل
انتهائي بالوعد لمن سيبدأ قراءة هذه التحفة الأدبية، أنه على موعد مع عمل فلسفي
يفكك رحلة نفس مصرية قديمة وآلامها بينَ عهدي الظلام والنور في توليفة أقل ما يقال
عنها أنها مميزة.

No comments:
Post a Comment