Monday, October 28, 2024

حرب وسلام


كلما كان الشىء أبعد كان أجمل، 
كلما كان الشىء أعمق كان أجمل، 
كنجم فى السماء، 
كقاع البحر، 

الغموض جمال، 
الانكشاف قبح،
العري قبح، 

والجمال سلام، 
والقبح حرب، 

ولكم أشتاق للسلام وأنفر من الحرب... 

Saturday, October 26, 2024

،شيطان كان عزيزًا

 



لكل منا فى هذه الدنيا نقاط ضعف وإدمانات يريد الإقلاع عنها لأننا بشر ولسنا ملائكة...

ولكن أن تكون هذه النقطة معبر لعزيز لك كى ينكأ بها جراحك، فهنا، هذا العزيز ينقلب شيطانًا ولا مسمى غير ذلك.... 

فاللهم اعنّا على شياطين الإنس الذين يقنطوننا من رحمتك...

Friday, October 25, 2024

Trials and errors





 الحياة فى كل شىء حتى العلاقات الإنسانية عبارة عن trials and errors. 

فإياك علشان error واحد، تفتكر أنك خلاص متنفعش تدخل فى trials تانية وانك شخص سىء وحش محدش بيحبه...

عافر لحد ما تموت فى trials and errors, أكيد هتظبط فى لحظة... 🙏🏻🌸

Saturday, August 17, 2024

ميدان تيانامين وسؤال المقاومة (نُشر فى جريدة النُخبة فى نوفمبر 2019)

 

"ميدان تيانامين وسؤال المقاومة"



يختص علمُ السياسة فى أصوله ب"السلطة السياسية"، وكل ما يتعلق بها، وبالأساس مسائلتها، والتعرف على ثوابتها، بل وكذلك معرفة أشكال مقاومتها فى بعض الأحيان إذا استلزم الأمر. وقد عرفت الصين منذ قديم الأزل نظمًا فى غاية السلطوية، تكادُ لا تعطي الشعب أي فسحة من الحرية. ولولا حادثة "ميدان تيتانيام فى 1989"، لما احتسب للشعب الصيني أي محاولة للمقاومة. وعلى الرغم من إخفاقها، وانتهائها بأرقام هائلة من الضحايا نتيجة اجتياح قوات النظام للميدان وتشتيت الثائرين، إلا أنَّه -بالنسبة إلى بعض المفكرين السياسيين أمثال أندريجا زيفنيك"، هو الشكل الأصيل للمقاومة.

فى تحليل زيفنيك للشكل الأصح للمقاومة، فقد استعان بنظرية جورجيو أجامبين عن "الحياة العارية"، ونظرية جاكس لاكان عن "سياسة الأيًّا ما كان Whatever politics"، و"بقاء الأيًّا ما كان Whatever beings". يرى أجامبين، أنَّ من يحملون المقدرة على مقاومة السيادة والنظام، لا بد أن يكون لديهم "bare lives" أي حياة عارية من الحماية القانونية والسياسية، هي "الاستقصاء المتضمن". فقد تم إقصاؤهم من الحياة السياسية وليس لهم حماية قانونية أو سياسية. وإنُّهم يظلون متضمنين لأنُّهم نتاج قوة السيادة السياسية التي أقصتهم. الحياة العارية هي حياة غير سياسية، بلا قوة ولا يمكنها توجيه أي تهديد للنظام القائم. ونتيجة للانتهاكات التي تعرض لها الصينيون فى حريتهم، فإنُّهم انطلقوا إلى الميدان من أجل المناداة ببعض الديمقراطية والحرية من الحزب الصيني الحاكم. وفى نظرية أجامبين عن الحياة العارية، فإنّهم أصبحوا عراة حينما قامت الحكومة بإقصائهم ونزع الحماية القانونية والسياسية عليهم.

ومما أكَّدَ عليه لاكان لتكون المقاومة مضبوطة، فإنَّ على المقاومين أن يقوموا بفعل "act" من أجل الوصول إلى حدث "event" -وهو النقطة التحولية فى التاريخ ليؤدي إلى انهيار نظام معين وبناء آخر-. كما أنَّ هناك "مرور الحدث"، وهي عملية انتقال الفرد من وضعية كونه موجود فى النظام القائم، إلى كونه متحررًا من جميع الخطوط المفروضة عليه. وبنجاح هذه العملية، يُخلَقُ "البقاء الأيًّا ما كان"، وهو الإنسان الذي قطع انتماءاته بهويته ومزق كل الروابط الاجتماعية التي تربطه بالآخرين. والمقاومة هي "المطالبة بالبقاء أو demand of being". وليست بالأمر السهل، لأنَّها تستدعي مطالبة النظام بشىء قد يؤدي إلى موته فى حال استجابته له.

وبالنسبة إلى زيفنيك، فإنَّ الثوار فى ميدان تيتانيام، تحوَّلوا بعد الحياة العارية إلى القيام بفعل "النزول إلى الميدان" من أجل حدث "تغيير النظام"، وقد حاولوا تكسير كل السلاسل التي تكبلهم من النظام الحاكم (مرور الحدث)، وتحوَّلوا إلى البقاء الأيًّا ما كان حيث دمروا كل الروابط الاجتماعية فيما بينهم ولم يبقَ إلا مطالبتهم ببعض الأمور التي فى حالة استيفاء النظام الحاكم لها، فإنُّه يتداعى. فالحرية والديمقراطية وعدم الفساد مطالب تتناقض مع أسس هذا النظام كليةً. وهذه هي سياسة "الأيًّا ما كان" التي نطق بها لاكان. ومع تجاهل النظام لمطالبهم، ازدادت الحياة العارية، وتحولوا أكثر إلى الكائنات الأيًّا ما تكون تلك، وخفتت حدة روابطهم مع النظام وكذلك مع بعضهم البعض.

أمَّا لماذا أخفقت التظاهرات فى تيتانيام رغمَ أنَّها -بالنسبة إلى زيفنيك- كانت تمثل النموذج الأنسب لنظريتي أجامبين ولاكان عن المقاومة، فذلك لأنَّ النظام الصيني الحاكم كان جامدًا بشدة، بحيث لم يعبأ سوى باستقراره ولم يهتمْ بالثوَّار، ولم يجد غضاضةً فى استعمال العنف المدمر والتدخل العسكري فى الميدان. ومن هنا، مع هذا العنف الرهيب، فقد مات من قاوم، ومن لم يمت، فإنُّه عاد ليرتبط مرةً أخرى بصورة درامية مع النظام الحاكم من جديد، ويغطي حياته العارية بستار النظام. وعلى حدِّ قول زيفنيك فى مقاله: "وخلال الأيام والأسابيع التالية على الحملة، فإنَّ الحزب الصيني الشيوعي استعاد قوته السياسية وظهر أقوى مما كان[1]".

إذن، فالمقاومة هي شكل من أشكال الرغبة فى تغيير النظام القائم. لكنّها ليست فعلا عشوائيًا أو اعتباطيًا، بل إنَّها عملية منظمة، تبدأ من الحياة العارية والتحوُّلِ إلى كيان غير سياسي لا يخضع للحماية السياسية أو القانونية للنظام، وينتهي بالفعل والحدث ومرور الحدث، والمطالبة بما لا يستطيع النظام أن يتحمله من أجل أن ينهار. لكن السؤال الدائم الذي يثور فى رؤوسنا بعد حادثة تيتانيام، هل كان النظام الصيني شديد الدوجماتية فعلا بحيث لم تنفع معه هذه الصورة الحرفية للمقاومة، أمَّ أنَّ نموذج المقاومة لم يكن قويًّا كفاية ولا بد أن يتضمن شيئاً إضافيا لكي ينجح؟

بإمكانكم قراءة المقال فى عدد الجريدة: http://www.feps.edu.eg/images/elite/13/issue13ar.pdf، ص10



[1] Andreja Zevnik, "Sovereign-less Subject and the possibility of Resistance", Journal of International Studies, Vol. 38, no. 1, 2009 pp. 83-106

الليبرالية من وجهة نظري

 

"الليبرالية من وجهةِ نظرى!"



الليبرالية هى أيدولوجيةُ العصرِ التى حققت انتصارَها المؤقت على الأيدولوجية المعادية، "الشيوعية" فى نهاية الحرب الباردة مع بداية تسعينات القرن الماضى. على التطورات التى مرَّت بها الليبرالية، ما بين الليبرالية الكلاسيكية إلى الليبرالية الحديثة، ومع الاختلافات التى أضافتها كل حقبة على هذه الأيدولوجية، فإنَّ ركائزها لا تزال تقريبا واحدة. على نحوٍ مختصر، تُشَيَّدُ الليبرالية على مفاهيم كما: "الفردية"، و"المصلحة الذاتية"، و"النزعات الرشيدة"، و"الحرية" –بمشتقاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية-، و"الفرص المتساوية للنجاح"، و"الدستورية وحقوق الإنسان"، و"التسامح"، و"الانفصال بين الفضائين العام والخاص"، و"الموافقة والعقد"، وغيرها. وليس محلُّ المقال هو تقصِّى هذه المفاهيم ومعانيها بقدر ما هو نظرة نقدية لها وللأيدولوجية كاملا.

بالنظر إلى الليبرالية، فهى تُعَدُ فى نهاية المطاف، أيدولوجية "رد الفعل" أو "رجعية" صُنِعَت من أجل إنهاء العهد حيث كان الفرد مقموعًا بأدوات الدولة والكنسية. وسعت هذه الأيدولوجية إلى استرجاع حقوق الإنسان مرةً أخرى إليه، وإلى عدم فرض أى صورة من صور القمع أو الكبت من أجل وهبه المساحة المحتاج إليها للإبداع، والخيال، وإعادة بناء الكون من جديد. وكان معقولا بالطبع لمناصريها أن يميلوا إلى فكرة أن "الإنسان رشيد" لمعارضة ومناقضة جمل "الخطيئة الأصلية وسقوط الإنسان" والتى تم استخدامها لجعل الأفراد غير واثقين من قدراتهم الذهنية، وبالتالى، يبقون فرائس تحت سلطة قساوسة وإمبرطورات ذلك العصر. وهذا بدا متجليًّا فى مفاهيم "الحرية الاجتماعية"، و"الدستورية"، و"التسامح" وغيرها مما تنادى بهم الأيدولوجية.

مع ذلك، فإنَّه من القيِّم ملاحظة أن هذه الزيادة فى الحرية لها مآخذها كما ال"الانعزال" الذى لسوف يحققه الانفصال بين الفضاء الخاص والفضاء العام، وكذلك قبول كل أشكال التصرف مهما كانت لا أخلاقية، والرضاء مع عدم المساواة الكثيرة التى سيلدها السوق الحر. فضلا عن ذلك، فإنها ستختزل الفرد فى شىءٍ مهتم بمصلحته، والذى لا يعبأ مثقال ذرة بالخير المشترك. وهذا سوف يحطم الروابط المجتمعية لأن العمل من أجل مصلحة كل إنسان وحده، بالتعويل على الصحة المطلقة لرشادته –والتى هى ليست صحيحة على الدوام- ستجعل من أى عمل جماعى شيئا متعذرا إذ أنَّ كل خطوة ستُعَلَّقُ على "مَنْ مِنَ الأَفْرَادِ يستشعر أن بقاءه ومصالحه مهددان بحيث يقبل المشاركة بقدراته؟!". بالإضافة إلى ذلك، فإنه كما هو مشاهد فى أغلب المجتمعات الليبرالية، حيث يعيش الأفراد من أجل مصالحهم فحسب، فإنَّهم يصلون إلى نقطة يفقدون معها الاهتمام بأى شىء، مما يدفعهم إلى الانتحار. وبكل تأكيدٍ، فإنَّه من غير المصدق به أن ذلك ليؤسس مجتمعا سليمًا.

فيلم عيد الميلاد الأخير والتعددية الثقافية (نُشر فى مجلة النُخبة فى سبتمبر 2020)

 

فيلم (عيد الميلاد الأخير)، والتعددية الثقافية



    يمكن القول أنَّ الثقافة هي القيم والأهداف والسلوكيات المتشاركة والتي تصنعُ الجماعة الثقافية. وتأتي أهميتها من أنَّها تغطي أوجه عديدة من حياة الإنسان وتشكل وجهة نظره حول نفسه وحول علاقته بالآخرين. وقد أصبحَتْ كيفية مخاطبة الدول للأقليات الإثنية والثقافية داخلها شىء مهم. فالعصر الحالي يمكن تسميته بعصر "سياسة الهوية". وذلك بسبب مطالب الأقليات بشىء من الاعتراف الرسمي واستيعاب حقوقهم اللغوية والاستقلال الذاتي الثقافي أو الديني، والحكم الذاتي الإقليمي أو المزيد من التمثيل السياسي. وتقومُ سياسة "التعددية الثقافية" على تحديد طريقة لاحتواء هذه الاختلافات الثقافية والإثنية فى التنظيمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

   وقد تعدَدَتْ الاتجاهات النظرية المتعلقة بسياسة "التعددية الثقافية". ومن أهمّ هذه الاتجاهات هو "سياسة اللامبالاة" التي قدَّمها المفكر الليبرالي "تشاندران كوكاثيس". بناءً على هذه السياسة، فينبغي على الدولة عدم الاعتراف بالاختلافات الإثنية والثقافية. وذلك لأنَّ فضيلة الليبرالية هي "تسامحها مع التنوع" و"عدم وجود دوغماتية أخلاقية فى عقيدتها". ومن ثمَّ، فهو يرى أنَّ على الدولة الليبرالية ترك الناس أحراراً فى تحقيق أهدافهم سواء بصورة فردية أو من خلال جماعات. ويكونُ دور الدولة هو تقديم السلام والنظام الضروري لتحقيق هذه المشاريع. لكنَّها لن تكونَ مسؤولة عن نجاح أو فشل هذه الجماعات فى تحقيق هذه الأهداف والمشروعات.

   فى هذا الصدد، يأتي فيلم "الكريسماس الأخير" كتطبيق على هذا الاتجاه. يبدأ الفيلم ب"كاترينا" التي ترجو أنْ تكونَ مغنية، وتعمل فى متجر لبيع مقتنيات عيد الميلاد. خلال الجزء الأول من الفيلم، تبدو هذه الشابة مهملة ومستهترة، ومكتئبة. دائماً تقومُ بافتعال المشكلات لجميع أصدقائها وتؤذي أسرتها، وعلاقاتها العاطفية غير مستقرة. ونعلمُ أنَّها على هذا الحال منذ إجرائها لعملية "زرع قلب". وهذا حتى تقابل شخصية "طوم"، والذي يصحح منظورها فى الحياة. فتحبُّه حتى تكتشفَ الحقيقة: لقد كانَ طوم هو الشخص الذي تبَّرعُ لها بقلبِهِ بعدَ أن تعرَّضَ لحادثة سير وتوفي على أثرها. عندئذٍ تفهم "كاترينا" كل ما كانَ غامضاً بشأنِّه. وبعدَ أن تعرف الحقيقة، يخبرها طوم _والذي هو طيفٌ لا يراه غيرها_ أنَّ عليها أن تحيا لمساعدة الآخرين لتكون سعيدة؛ وأنَّها بذلك تكونُ قد أكَّدَتْ له أنَّ قلبه لم يضع سُدًى. وفعلاً فى الجزء الأخير من الفيلم، تحرصُ كاترينا على التسامح مع كل من حولها (أسرتها وأصدقائها ورئيستها فى العمل والمشردين الذين كانَ طوم يراعيهم).

   فيلم بسيط، وحائز على تقييم معتدل. لكنُّه تجسيد حقيقي لاتجاه "كوكاثيس" فى التعامل مع التعددية الثقافية. هذا الفيلم يتضمَّنُ عدداً هائلاً من الأقليات والمهمشين الذين قابلتهم البطلة. فمن ناحية ثقافية، فإنَّ "كاترينا" وأسرتها أصلاً مهاجرين من يوغسلافيا واضطروا للإقامة فى لندن بعدَ أحداث عنفٍ. بالإضافة إلى ذلك أنَّ طوم (البطل) أيضاً من أصول آسيوية. وتعملُ كاترينا لدى سيدة صينية تمتلك متجراً لبيع معدات الكريسماس، والتي جاءَ رجلٌ بريطاني ليحبها بصدقٍ. وأصدقاء كاترينا من أصول أفريقية وغير أوروبية. كما أنُّهم أشاروا إلى سائق الحافلة الهندي. وفى إحدى المرَّات أظهروا أحد البريطانيين العنصريين يعنِّفُ رجلاً وامرأة من أوروبا الشرقية لأنُّهم يتحدثون لغتهم الأمِّ فى الحافلة. وهنا جاءَتْ كاترينا لكي تنقذهما منه وتكمل معهما الحوار بلغتهما. من ناحية اقتصادية، فجزء كبير من الفيلم يعرضُ علاقة كاترينا بمأوى المشردين. وهذا بعدَ أن دلها طوم عليه لتساعد وتشعر أنَّ لها مهمةً فى هذا العالم. ومن الناحية العاطفية، _وهو ما لم أستسغه بالطبع_، فقد كانَتْ العلاقات العاطفية تدورُ بين أطر الزواج (صديقتها وزوجها) وأطر الحبِّ النقي (رئيستها فى العمل وهذا المعجب البريطاني)، وأطر العلاقات الجسدية (علاقاتها العابرة عندمَا كانَتْ مكتئبة)، وأطر علاقة المثلية (أختها التي لديها صديقة حميمة).

    إذن لقد عرضَ الفيلم أبعاداً مختلفة للتعددية (القومية الثقافية/الاقتصادية/العاطفية). ثمَّ اقترح الطريقة المثلى فى التعامل معهم: تجاهلهم والتسامح معهم جميعاً. وهذا بعدَ أنّ أكَّدَ أنَّ هذه الأقليات جميعها جزء من المجتمع البريطاني. فأولاً، أوضحَ أنَّ بطلة الفيلم "مهاجرة" يوغسلافيا ودارَتْ حولها القصة برمتها على الأرض البريطانية. وثانياً بطل الفيلم أيضاً مهاجر آسيوي ساعدَها على الحياة عضويا ومعنوياً. فأمَّا عضويا، فهذا حينما تبَّرَعَ لها بقلبه؛ ومعنوياً حينما ظهرَ لها كطيفٍ لينصحها بالحياة وإسعاد الآخرين. وثالثاً، نشأَتْ علاقة حبٍّ بين رئيستها فى العمل الصينية ورجل محترم بريطاني. ورابعاً، وجدَتْ سعادتها وهي تحتوي مخاوف والدتها _هذه اليوغسلافية التقليدية_ وعدم السخرية منها. وخامساً، أنَّها أصلحَتْ لزوج صديقتها الأفريقي تحفه التي أفسدتها له؛ وفى ذلك سعادة لها. وسادساً، عندما تقرَّبَتْ من المشردين وحاولت الحصول على المال من أجلهم؛ وجهَّزَتْ لهم مسابقة للغناء لاستعراض مواهبهم. فى ذلك وجدَتْ راحةً لقلبها. وسادساً مع عرض أنَّ "الهندي" هو الذي يقودُ الحافلة كاملةً؛ اي بدونه تقفُ الحياة اللندنية الدائبة. وسابعاً، _مع تحفظي_ التأكيد على أنَّ اختلاف أختها (لكونها مثلية) لا ينبغي أن يقلل من مكانتها فى الأسرة. وهذا للتشديد على أنَّ المثليين يمكن أن يكونوا جزءً من أسرة الفرد؛ ونبذهم سوف يضعف الرباط الأسري. ثامناً، نهر "كاترينا" لهذا المتعصب البريطاني والسخرية منه؛ للتأكيد على أنَّ مصير من يتحدَّى التعددية الثقافية هو النبذ والسخرية منه لأنُّه يرفضُ واقعاً موجوداً بالفعل. وجاء المشهد النهائي للفيلم بجميع الأبطال _من الانتماءات الثقافية/العرقية/الاقتصادية/العاطفية المختلفة_ فى مأوى المشردين يستمتعون بالكريسماس سوياً. هذا غير اتحادِ "كاترينا اليوغسلافية" مع "طوم الآسيوي" حيث أنَّها تعيشُ بقلبه وبأحلامه دون أن يوضحوا إن كانَتْ ستتمكن من حبِّ أي شخصٍ آخر بعده.

    خلاصةً، لقد استطاعَ الفيلم اقتراح النموذج الأفضل _من وجهة نظرهم_ فى التعامل مع التعددية؛ وهي التسامح معها وعدم التنمر عليهم. ففى التسامح جاءَتْ سعادة "كاترينا". وبالمثل، فمع التسامح، تأتي سعادة "بريطانيا" عامةً. فالفيلم يؤكدُ أنَّ هذه هي بيئة المجتمع البريطاني _المرجُوَّة_ بحيثُ يحتوي الجميع على أرضه. طبعاً يؤخَذُ على الفيلم أنُّه لم يأتِ على ذكر "الجنس العربي" و"المسلمين" على الإطلاق. وهذا غريب أنَّ بريطانيا من أهم وجهات العرب والمسلمين المهاجرين. هذا بالإضافة إلى تحفظي على اعتبار "المثلية الجنسية" أقلية تحتاجُ التسامح معها. غير ذلك، فقد كانَ فيلماً لطيفاً يمكن تقضية أمسية جيدة بصحبته.


بإمكانكم قراءة المقال فى المجلة: http://www.feps.edu.eg/images/elite/23/issue23ar.pdf، فى الصفحة 18. 

عن المعضلة الميكافيللية (نُشر فى جريدة النخبة فى يوليو 2019)

عن المعضلة الميكافللية




    لم يستطعْ حكيمٌ فى الفكر السياسي من أن يحظى بهذا الصيت الذائع أكثر من نيقولا ميكافللي، وكتابه "الأمير". ولعل ذلك راجعٌ إلى تأطيره لنظرية آية فى العجب، وهي أنَّ: مع لهيب الصراع السياسي الذي تعاني منه أيطاليا فى هذه الحقبة، فينبغي على الأمير أن يقدِّمَ المصلحة على القيم تحت ستار "الغاية تبرر الوسيلة". والحق أنَّ نظرية هذا المفكر تمتد إلى المزيد، لكن من أهم ما تولد عن فكره هو "المعضلة الميكافللية"، وأيهما ينبغي له الانتصار فى الصراع الأبدي: القيم، أم المصلحة. وعلى الرغمِ من أن الواقع السياسي يدفع الذهنَ إلى التصديق أنَّ الغلبة دومًا تكون لصالح "المصلحة"، فإنَّ هذه المعضلة محسومة وفقًا للموازين الدينية، لحساب القيم. فبالإطلاع على مقال دكتور محمد صفار بعنوان "فى باب الموعظة والاعتبار: الحمار والثعلب والأسد، فإنَّ أسوةً بالقرآن الكريم، والآيات المتعددة حول الثواب والعقاب، وكذا الأحاديث النبوية، جميعها تنتصف للقيم. وكأنَّ الرسالة الإلهية هي "مهما شاهدتم فى الدنيا من انتصار الظلم وسحق العدل، الدورة لم تصل إلى نهايتها. فالنهاية لديه هو: فى يوم الحساب"! ومثلما قرأتُ من قبل، فإنَّ صدق الدعوة الدينية يتضح من خلال وجود الأدلة الواقعية التي تدمغ الصدق وتقطع الشكوك باليقين. فقد رأيتُ من الواقع ما يوثِّقُ الحقيقة: أن القيم هي الأدوم، والظافرة، لأنَّ مصدرها هو الله، هذا الكائن الخالد الذي لا يموت. وأنَّ من أسلم وجهه له، ولتعاليمه، لنال الخير الوفير سواء فى الدنيا (بالسيرة الطيبة، وبراحة البال والضمير)، وفى الآخرة (حيث النعيم المقيم). وعلى النقيض، فمن اتبع خطوات الشيطان، فإنَّ عيشته ضنكًا. وبالقياس على حياة الساسة الذين ينالون الثراء الفاحش من التجارات المشبوهة، فلا تخلو حياتهم من الخوف والاضطراب والابتزاز والاستغلال مهما بدا غير ذلك.

    ولم تكن هذه الرؤية حكرًا على الكتابات الدينية، بل إنَّ هنالك عددًا من قصص الحكماء تصدِّقَ عليها، كما قصص الحكيم آيسوب مثلا، وقصته التي تلاها علينا دكتور صفار فى المقال ذاتِهِ، التي تحكي عن حمارٍ تحالف مع ثعلبٍ لحماية بعضهما البعض ضد جرائر الأسد، قبل أن يحنث الثعلب بذلك العهد ويتعاون مع الأسد ليوقعا بالحمار. وبعد أن سقط الحمار فريسة استئمانه الثعلب على حياته، يسارع الأسد فى الانقضاض على الثعلب ملتهمًا إياه. وفى ذلك تذكرة للمثل العربي الشهير: "وجزاه جزاء سنمَّار". والحقّ أنُّه مهما بدت هذه القصة مثالية، وأنَّ الواقع السياسي يعرض فوز الثعلب، والأسد فى النهاية، فمازلتُ قائمةً لدى الإيمان بأنَّ الحياة الدنيا مهما طالت أو قصرت، فهي واقفةٌ عند نقطة قصة أيسوب حيث خان الثعلب الحمار ونقض العهد معه بغية التحالف مع الأقوى وهو الأسد. وأنه ما يبرح أمامنا الوقت الفسيح من أجل رؤية أي الجزاءات سيتلقى هذا الثعلبُ فى أرض الواقع، وفى الحياة الآخرة. فإمَّا أنَّ الحال بهذا الثعلب سيتوقف بأن يخونه الأسد هو كذلك، ويحلَّ عليه ببطشه وجوره -وهو ما جرى فعليا فى قصة آيسوب-، ثم يأتي من يلقن الأسد الدرس الأكيد، سواء شخصٌ آخر أو سواء الزمن وجبروته. أو أن ننتظرَ الحياة الآخرة حيث يسوِّي الله عزَّ وجل الصفوف البشرية لحسابٍ عسيرٍ لا يرحمهم مثلما لم يرحم أولئك الخونة والظلمة الآخرين. وفى هذا التيار، أرى أن الأساطيرَ والخرافات، وبالتالي الكتابات القصصية هي مرآة للواقع، وانعكاس له. وأقنعُ أنَّ قصة أيسوب هي تجسيدٌ للواقع السياسي حيث المؤامرات والمعضلات والمكائد. ولا ينبغي نسيان أنَّ فى العصور القديمة كانت مثالاً حيًّا للرعب السياسي، ولم يكن للحكماء والكتَّاب سوى الكتابة بالرمز والإسقاط. وليس من العسير النظر إلى الحياة السياسية خاصة فى قديم الأزل، -وحاليا فى العهود الفاشية الديكتاتورية-، أنَّها قائمة على الخداع والمصلحة المكيافللية فى الوصول إلى القمة ولو على رقاب الآخرين. وليس نادرًا أنَّ الشخص الذي يبلغ الذروة، ويعتلي القمة ذاك يبدأ فى التخلص بأعوانه الذين مكنوه. ليس فقط لأنَّه بات فاقد المعايير الصائبة للعدالة، ولكن لخوفه من الخديعة منهم. لقد أعانوه سابقًا على حساب آخرين. وبالتالي يبدأ هذا الداء المدعوِّ ب"الشكِّ". فما الذي قد يمنعهم من تكرار الوضع ومعاونة شخصٍ آخر بحيث ينقلبون عليه، ويطيحون به؟

    خلاصة القول أنَّه على الرغم من أنَّ المعضلة الميكافللية قد أنهاها العديدون فى الواقع السياسي لكفة المصلحة، مدَّعين أنَّ الدعوات الدينية وأقوال الحكماء ليست سوى محاولات ساذجة لاستجلاب الأمل المقطوع. فالحقيقة هي أنَّ المعضلة ما زالت موجودة، والقيم ما تفتأ تعبر عن ذاتها وبقوةٍ. فما يعرضه الواقع السياسي ليس سوى نصف الحقيقة، ونصف النهاية. وباقيتها إمَّا ما زالت فى طي الكتمان لأنَّها تعوِّلُ على الزمنِ وجبروته، أو لأنَّها مخجلة وتحدث فعليًا فى المؤامراتِ والخدائع، وليس من الجيد لهؤلاء الساسة توضيح معالمها على الملأ.

وبإمكانكم قراءة المقال فى عدد المجلة: http://www.feps.edu.eg/images/elite/9/issue9ar.pdf

عن يأجوج ومأجوج واللقاء مع ذي القرنين-كتاب

  لا يمكن الاغفال عن الجهد الكبير المبذول في هذا البحث لا سيما في الجزء المتعلق بهوية ذي القرنين والتوصل العسير لمقتطفات من كتاب بيثياس الما...