Tuesday, December 9, 2025

القراءة غير الثقافة







قرأت عبارة في العدد الثالث من سلسلة فانتازيا لدكتور أحمد خالد توفيق تصف البطلة بأنها قارئة نهمة ولكنها ليست مثقفة...
عبارة عميقة في بساطتها وتضع حاجزا منطقيا بين القراءة والثقافة.
من ناحية أولى، القراءة هي رافد واحد من روافد الثقافة المتعددة، فالمرء يكتسب ثقافته من معايشة الواقع وقضاياه، والقراءة والمعرفة المرئية والمسموعة. القراءة ليست هي المصدر الحصري للثقافة.
من ناحية ثانية، فالأمر يعتمد على نوعية المقروء، فمن يقرأ في العاطفة والسياسة، والفلسفة والمنطق والأديان والتاريخ والجغرافيا وعلم النفس والطب و و و مؤكد مختلف عمن يقرأ عاطفي وحسب. إذن فليست كل قراءة هي ثقافة.
أخيرا، الثقافة ليست مخرج حتمي للقراءة. فالثقافة هي القدرة على خلق علاقات بين المعارف التي تستقيها، علاقات سبب ونتيجة، مقارنة، مناقضة، مفارقة، تفسير، إلخ إلخ، واستخراج دروس مفيدة للسياق الزماني والمكاني من كل معرفة وكتابة حلول واقعية لقضايا إشكالية. لهذا، ليس كل من يقرأ مثقف، لأن ليس كل من يقرأ يستطيع توظيف ما يقرأه لأغراض أخرى.

Saturday, July 5, 2025

عصر القرود (مصطفى محمود)

 



فى تجربة جديدة لي مع مصطفى محمود والتي لا يبدو أني سأشبع منه قط،

فإنُّهُ يدلفنا إلى محراب آخر مختلف وهي حداثة العصر الحديث وماديته فى مواجهة روحية الحب الإلهي وجماله الصافى.

سؤال مُهم هو ما طرحه مصطفى محمود فى الكتاب حول طبيعة العالم الذي نعيش فيه وبالأخص مفهوم "الحب" الذي تقدمه الأغنيات والأفلام الرومانسية والأشعار. جميعهم مزجوا ما بين الحب والشهوة على الاختلاف الكبير بينهما. فالحب ليس الشهوة، فبينما الشهوة مؤقتة، فالحب مستمر طاغٍ. وقد أكَّدَ على ذلك فى قوله أنَّ الشهوة ننساها سريعًا بينما مشاهد الحب فى حياتنا تبقى أبد الدهر. نحنُ يمكن أن نحب بلا شهوة وأن نشتهى بلا حب.

والحب الحقيقي هو ذاك المتوجه لصفات الله عز وجل فى خلقه، فنحب المرأة لأنها جليلة رحيمة شاكرة عطوف، مثلها مثل الرب الرحيم الجليل الشكور الرؤوف. غير ذلك، فهو أي شىء غير الحب، زائف مادي فانٍ كسائر المخلوقات التي ذكر الله عز وجل أن مصيرها هو الزوال.

أعجبني جدًا هذه الملحوظة أنَّ القرآن لم يذكر الحب أساسًا للعلاقة الشرعية المستمرة وإنما ذكرها فى قصة سيدنا يوسف حينما شغفته امرأة العزيز حبًا ولم يزدها الحب سوى جنون وتجبر. غير ذلك، فالمودة والرحمة -المستقاة من الله الودود الرحيم- هما أساس أي علاقة زوجية صحيحة.

يحمينا الله من الجهل والضلال واستعباد الشهوة بالحدود التي أرساها على الخطايا مثل خطيئة الزنا والعلاقات المحرمة.

فعلا إن وضع الشهوة اساس للعلاقة يجعلها علاقة هشة بلا فحوى، تنتهى بانتهاء الشهوة كمَا ذكرت هذه الممثلة الأجنبية أن أساس الحب عندها هي العلاقات الجسدية ثم تنظر فيما إن كانت ستتطور إلى علاقة أخرى أعمق. هذا المفهوم غير صحيح ويحطم المجتمعات.

سؤال مصطفى محمود عمَّا إن كُنَّا قد وصلنا أعتاب نهاية العالم سؤال غاية فى الأهمية، ولو أني لا ألومه لأنه لم يشهد الحاضر حيث يُقتل أطفال غزة سفاحًا وعدوانًا ولا يحرك القادة العرب -الذين كان يتفاخر بقفزتهم الاقتصادية- ساكنًا بل يصافحون الصهاينة كأنهم أحبائهم. لهذا لا أعتقد أنَّ النهاية ستأتي قريبًا اللهم إلا إذا تغلب العرب الشرفاء على القادة أولا قبل التوجه لإنجاء القدس من الأيادي النجسة.

كتاب مُهم وأدعو الجميع قراءته لفهم طبيعة العصر الذي نحن فيه، والتأكد من أن أساسياته رغم أنهم يروجون لها أنها أساس التحضر، ليست سوى أركان لعصر بدائي مُحطم، هو عصر القرود، ولا يسعنا التحرر منه سوَى بالعودة إلى الله الرحمن الذي لا نهتك أسرارنا سوَى إليه لرحمته ووده.

أعجبتني أيضا مسألة هتك السر، فالحب لا يقتضي هتك سر الماضى أو الأفكار بين الأحبة، هناك عورات تخبئتها تحلِّى الحبَّ وتزيده تذكية.


عائد إلى حيفا (غسان كنفاني)

 





هذه هي المرة الرابعة التي أقرأ لغسان كنفاني،

فقد قرأت قبلا رجال فى الشمس وأم سعد وجسر إلى الأبد، وها هي "عائد إلى حيفا".

فى نوفيلا لا تكادُ تتجاوز السبعين صفحة، بسط لنَا غسان سؤال هو الأهم على الإطلاق: "ما هو الوطن؟ وما هي أفضل السبل لاستعادته إذا ما انتُهكَ سفاحًا؟"

فى الوقت الذي كانَ خالد -ابن سعيد- يرغبُ فى الانضمام إلى فرقة المقاومة والفدائيين لفهمه أنَّ الوطن هو المكان الذي يحق له العيش فيه وأن استرداده لا يكون بنبش الماضى وإنما النظر للمستقبل وهدم ما تأسس، فكانَ سعيد وصفية ومثلهما فارس لا يفكران سوَى فى النظر إلى مقتنيات الماضى، وهذا الحنين الأجوف لأشياء لم تعد موجودة.

بين منظور واقعي يجسده خالد ورفاقه وكذلك الرجل الذي سكن بيتَ فارس محتفظًا بصورة أخيه بدر الشهيد، وبين منظور مثالي جسده سعيد وصفية وفارس، كانت نوفيلا "عائد إلى حيفا".

ربما أخطأ سعيد وصفية حينما نسيا ابنهما ولم يستطيعا أن يأخذاه معهما إلى المنفَى، ولكن هذا لا يبرر خطأ هذا الصغير الذي هويته هي "قضية" هو من يشكلها المفترض على أسس الحق والعدل،

جميلة عبارة غسان على لسان سعد أن الصهاينة يحبون دومًا استخدام لفظة "الخطأ يبرر الخطأ" لتبرير وجودهم على أرض ليست لهم؛ ثم يقولون "الخطأ لا ينبغي أن يبرر الخطأ" حتى يرفضوا مقاومة الفلسطينيين الذين يريدون استرجاع وطنهم بالقوة.

خلدون، والسؤال هو متَى سيعود لأحضانِ الحق، سؤال فى غاية الأهمية. وأعتقد أنَّ ضميره العربي الكائن بصدره، وهذه المحاضرة القوية التي استطاع سعيد أن يلقنها إياه، سيجعلانه يعيد التفكير فى كل شىء. فحجته لم تكن قائمة، ومع أول انتقاد لها على لسان صفية حينما قالت "نحن أخطأنا، ولكن هل يبرر ذلك ما تفعل؟" فقد انهارت الحجة على بكرة أبيها.

لم يكن ينبغي للاثنين أن يعودا إلى حيفا سوى على رؤوس جنود آتين للحرب ولاسترداد منزلهما وخلدون بالقوة والعنف.

ما أخذ منهما لم يكن هينًا، ولا يعيده نظرة أو زيارة، وإنما معركة حامية الوطيس.

نوفيلا كعادة غسان تطرح أسئلة أكثر مما تجيبهما، تغير منظورات أكثر مما تثبتها.

الإنسان قضية، فلينظر كل إنسان إلى قضيته ويتحراها بصدق وحق قبل كل شىء.


جريمة العقار (نهى داوود)

 


 


جريمة العقار 47 لنهى داوود،

.

.

.

.

هي روايتي الأولى التي أقرؤها لنهى داوود ولن تكون الأخيرة بأذن الله،

إنها عن الحب غير المشروط الواجب تقديمه من الآباء لأطفالهم وزوجاتهم،

صفاء لا تحتاج لأدوية ولا لانشغال ، وإنما تحتاج إلى دفء الزوج وصحبة الأبناء.

لقد من الله عليها بهذا التطبيق العجيب الذي لا أستبعد أم يظهر فى أي لحظة نظرا للثورات التكنولوجية التي نعيش اندلاعها الواحدة تلو الأخرى، ولكن هنا لم يكن نفع التطبيق تكنولوجيا وانما أنسانيا. فبسببه، صادقت صفاء ابنتها، وعرفت مآسي ابنها، ووضعت الاختبار الأخير لعلاقتها بفاضل زوجها.

سما، وما أدرانا بكيفية معالجة الانكسارات والهزائم العنيفة التي مرت بها خصوصا مع حملها. يدور السؤال حول مصيرها، وما إن كانت قد تعود لنقائها وسمو أخلاقها.

مرڤت، تستحق ما سيجري لها، لم يسترح لها قلبي فقد كانت السبب الرئيسي لما آلت إليه الأوضاع كلها.

الحاجة فوقية والتي تسكنها حكمة تداريها فى فضولها الأشبه بالتطفل، لكن قلبها الأبيض تغلب فى النهاية على سوء طباعها.

رواية انسانية قبل أن تكون بوليسية، ذكرتني قليلا برواية فتاة القطار لبولا هوكينز، ولكن بالتأكيد أفتخر أنها فى بيئة مصرية وأجواء مصرية.

شكرا نهى داوود على الوجبة اللذيذة التي التهمتها فى يوم وربع تقريبا 🤗



فتاة القطار (بولا هوكينز)

 






تحذير بالحرق 🤗🌷

.

.

.

.

.

.

.

أنهيتها،

كانت عن ثلاثة نسوة، كل منهن أخطأن، وتلقين العقاب،

تمنيت لو أن رايتشل تزوجت سكوت فى نهاية الرواية، لكن من يعلم، لعله يجيب رسالتها يومًا ويرتبطان.

ليس كل ظاهر حقيقي، فما الحياة البراقة التي كانت ريتشل تتخيلها وتسميها حياة جيسون وجس المثالية، بحقيقية... وما كان توم شخصا يستحق الحياة أصلا!

أبأس الصفات الكذاب، الذي انتهت عنده حيل العالم ولن يبق إلا حقارة الكذب والادعاء، لكم أخافتنى هذه الرواية حقا، ما الذي حدث بحق الله!!! كيف لشخص أن يكون مريضا نفسيا لهذه الدرجة....؟!

تمنيت لسكوت مصيرا أجمل من الوحدة والبؤس، أن يعرف أن هنالك دروبا أخرى يمكنه أن يعوض بها خسارته....

رواية جميلة جدا وإن كان بها تطويل أحيانا، وكذلك النهاية كان يمكن أن تصاغ بصورة أفضل....

محبتي لپولا هوكينز...!

 


الدكتورة هناء (ريم بسيوني)

 




الدكتورة هناء.... لريم بسيوني 🤗🌷

رواية غريبة لكني لم أكرهها...

هي أولى محطاتي مع ريم البسيوني ولا أعلم أن كان سيتكرر اللقاء مرة أخرى أم لا.....

الجميل فى الرواية أن الشخصيات واقعية، ليست مثالية ولم تأت من فراغ...

دكتورة هناء امرأة طيبة القلب، حنونة، عادلة، محبة، ضعيفة وهشة، والحق أنها تربت تربية مدللة وصارمة فى الوقت ذاته، ثم أبدت مشاعرها مرة مع رامي، قبل أن يصدمها بل يصفعها بقمة القسوة بكلمة "لا أنت لا تجرؤين على الحلم"... وهكذا جردها من أحلامها ولم يُبق لها إلا الواقع البائس بكل عمليته وحيادته...

رغبتها فى فقدان العذرية جاء نتيجة تفكير عقلي ومنطقي، وقد اعتادت على العقلانية والمنطق فى كل شىء، فى الواقع صراحتها ووضوح نواياها دائما هو انعكاس للنظرية الفيزيائية أن أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم...

خالد من الناحية الأخرى، نابع من بيئة مظلمة الطغيان والكلمة الأولى والأخيرة للرجل، هكذا تنشأ وعلمته أمه وأخته اللتين هما نتاج لهذه البئية الشاهدة على الغلبة الذكورية...

تصادم خالد وهناء كان دائما، وخاطفًا وبلا حل... صدقًا حتى نهاية الرواية لا أعرف من الصائب ومن المخطىء... كل منهما أصاب فى أمور أو على الأقل فعل سلوكيات تبررها عقدهم وآلامهم، وأخطأ فى أخرى...

ريم تركتنا فى سؤال وهو فيم أذنبت هناء؟

والحق أن على الرغم من أنها -هناء- كانت تسعى للحق والجمال، فالبلاد صارت فاسدة لدرجة أن طموحاتها تلك باتت فى أعين جميع الشخصيات الأخرى هراء ومثالية مبالغ فيها وغطرسة لا بد من قمعها...

لا أعرف حل الرواية، ولا مصير علاقتهما وأيهما سيتنازل للآخر فى النهاية، ولكن يكفيني أنها جعلتني أفكر فى حال البلاد عمومًا....

رواية غريبة، صادمة، جدلية ونقدية وتستحق وقفة!

 


خدعة الفلامنجو (نهلة كرم)

 



رواية خدعة الفلامنجو لنهلة كرم.

*"*

رواية لا تتجاوز المائة وثمانين صفحة، صادرة عن دار المصرية-اللبنانية للكاتبة نهلة كرم،

مع ذلك، فقد كانَتْ تتضمنُ أفضل تحليل نفسي للشخص السيكوباتي القادر على هدم الأخضر واليابس فى حياة امرأة فى ريعان شبابها،

الرواية تندرج ضمن فئة أدب الرسائل، حيثُ تسعى البطلة (التي ليس لها اسم) أنْ تستخرجَ قيح الصديد الذي صنعته لها علاقتها بخطيبها، من خلال مخاطبة صديقتها حولَ الأسباب التي أوصلتها إلى الانفصال،

لم يكن هذا هو العجيب فى الرواية وإنما الأسلوب الاستثنائي الذي اتبعته، وهو تشبيه كل موقف لهذا المجنون بطبيعة خاصة لحيوانٍ ما شاهدته فى فيلم من الأفلام الوثائقية المُذاعة على ناشيونال جيوغرافيك...!

بالفعل من لم يقرأ هذه الرواية قد فوَّتَ فرصة رائعة فى الغوص فى تحليل نفسي شديد العمق للشخصية المهووسة المريضة نفسيًا...

تقريبًا لم يكن لهذا الخطيب شيء لم يقم به فى تحطيم البطلة، لن أستطيع تعديد الأمور لأنها كثيرة، بل أكثر من اللازم، لكن العجيب أنها مكتوبة بصورة واقعية بحيث لا يمكن أن ينكر أحدٌ وجود مثل هذه الشخصية الطاغية!

خدعة الفلامنجو، فالفلامنجو حينما يدخل المياه، فإنُّهُ لا يضع قدميه الاثنتين فيه كيلا تختل درجة حرارته ويرفع ساق ويغمس أخرى فى أتون الماء، وبذلك يحفظ درجة حرارته معتدلة، هكذا كان الحل الذي قدمته الرواية للمقدمات على علاقات رسمية،

لا ينبغي للفتاة أن تغطس بكافة مشاعرها فى علاقتها بشخص ما ولا أن تعطي أحدًا الفرصة ليدعسَ ثقتها بنفسها...

لغة عربية ممتازة، لا تميل للتعقيد، لكنها أيضًا توفى بالغرض وبشدة،

كانت المرة الأولى للقائي بقلم نهلة كرم، ولا أظنُّ أبدًا أنها ستكون الأخيرة،

محبتي.... ❤

 


عن رؤيتنا ليوسف (عليه السلام)

  الرواية: رأيتُ يوسف عدد الصفحات: 216 صفحة دار النشر: دار العين للنشر والتوزيع سنة النشر: 2025 الحق أنَّ أول ما جذبني في الرواية كان غلافُه...